وحي المشاعر
عمر كباشي محمد
بِلادي لـقدْ طـالَ الـنَّوى
والتَّفرُّقُ
وهَاجَ الـجوَى لـيلُ الـهُمـومِ
المُؤَرِّقُ
أَبــيتُ ونَفْسـي كُلَّ أَوبٍ
تَفَرَّقَتْ
أُلَمْلِمُ مـــن أَشــتاتِهــا
وأُرَتِّقُ
ولـكنَّ قـلبـي يـا حَبـيبةُ قَد أبَى
عَلَى شَجْوِهِ إلاّ بِحُبِّكِ يَخْفِقُ
وعَيْنــي أَبَتْ إلاّ جَمــالَكِ
زَاهِيًا
تُطــالــعُهُ رُغْمَ الـبِعـادِ
وتَرْمُقُ
وفــي كُلِّ حُسْنٍ تـجْتـليـكِ
تَمَثُّلاً
ولا شَكَّ أنّ الـعيـنَ كـالقلبِ تَعشقُ
وما زالَ قلبي مُذْ رَحلتُ مُزوَّدًا
رُؤَاكِ
إلى طِيــبِ الــلِّقــا يـتَشـوَّقُ
وذِكــراكِ مـا تَفْتَا تـمرُّ بـخاطِري
فَيَجْلُو ظَلامَ الــعُمْرِ مِنـها
الـتَّألُّقُ
يَزيـدُ شُعـوري بـالـهَوَى كلَّ آنَةٍ
ولـكنَّ إحـساسـي بـقُرْبِكِ أَعْمَقُ
حـمَلْتُ لَكِ الـحُبَّ الـمهـذَّبَ
يافعًا
إلى الـيَوْمِ لـم يَبْرَحْ وقد شابَ
مَفْرِقُ
فـيا مَنْبَعَ الإلـهامِ لا غَرْوَ إنْ
سَمـا
شُعُورِي وواتـانـي الـقَصِيـدُ
المنَسَّقُ
فَفِيـكِ يَتِيـهُ الـشِّعرُ زَهْوًا
ويَرْتَقِي
سَمــاءَكِ لا يَأْلُو الـخَيـالُ
الـمحَلِّقُ
وَحُسْنُكِ مِلْءُ الـرُّحْبِ في كُلِّ
ناظرٍ
لَهُ مَشْهَدٌ زَاهِي الــمَلامــحِ
مُونِقُ
ونَسْمُكِ مِعــطارٌ ، وأَرضُكِ
خَصْبَةٌ
ونِيــــلُكِ فَيَّاضٌ ، ورَوْضُكِ
مُورِقُ
وخَيـــــرُكِ مَوفُورٌ وعِزُّكِ
نَجْمُهُ
يُضــيءُ سـماءَ الـمجـدِ إذْ يـتألَّقُ
وأهــلُكِ خَيـرُ الـنَّاسِ إنَّ
وِدادَهُمْ
أَصِيـلٌ ، وإنَّ الـفَضْلَ فِيـهِمْ
لَمُعْرِقُ
فِداكِ حَيـاتـي يـا حـياتـي ولَيْتَني
يُطـاوِعُنـي فـيكِ الـزَّمـانُ
المُعَوِّقُ
مَضَى زَمَنٌ والـبيـنُ يَسـدِلُ
سِتـرَهُ
عــلَيَّ بـما يُقْذِي الـعُيـونَ
ويُغْرِقُ
عَجِبـتُ لِقـلبي كيفَ يَصْمُدُ صابرًا
عــلَى جَهْدِ مــا يَلْقَى ولا
يَتَمَزَّقُ؟
فـهَلَ يـا تُرَى تَسْتـقْبِلُ
الـعَيْنُ مَرَّةً
صَبـاحَ وِصَالٍ عـن مَرائِيك يُشْرِقُ؟
وهَلْ لـي إلى تِلـكَ العُهودِ التي
خَلَتْ
سَبِيـلٌ ؟ وهَلْ بـعضُ الـمُنَى
تتحققُ؟
فـأَلْقَى أحـبّائي على الصَّفْوِ لم
يَشُبْ
لـه لـذَّةً خَطْبُ الـزَّمـانِ
الـمُرَنِّقُ
ويَجْمَعَنـا أُنْسُ الـوِصـالِ ومـجلسٌ
بـه الـنَّشْرُ من طِيبِ الأحاديث
يعبَقُ
فـيَهْمِسُ بـالـشَّكْوَى أَلِيـفٌ
لإلْفِهِ
ويُخْلُصُ بــالـنَّجْوى مَشُوقٌ
وشَيِّقُ
ويَبـلُغَ مِنَّا الـسَّعْدُ فـي
النَّفْسِ مَبلغًا
إلـيهِ هُمـومُ الـعيـشِ لا تَتـطَرَّقُ
وتـفرَحَ بـي أمِّي الّتـي وهَبَتْ
دَمِي
وحُبَّ الـعُلا عَهْدًا لـمجـدكِ يصدُقُ
وتَشْفَى بــماءِ الـنِّيـلِ غُلّةُ
ظـامئٍ
فـقد طالَ عهدٌ وَهْيَ في الجَوْفِ
تحرِقُ
أُنـاجِيـهِ يَشـجونـي الخريرُ فأنتَشِي
ويُطْرِبُه مِنِّي الــقَرِيـضُ
الـمُمَوْسَقُ
فـأُسـمعُهُ وَحْيَ الـمشـاعـرِ حاكيًا
عُذوبةَ أمـــواهٍ بـــهِ تَتــدفَّقُ
فـترقُصُ أشـجارُ الـرِّيـاضِ سَعادةً
مـن الـشَّدْوِ ، والموجُ الطَّروبُ
يُصَفِّقُ
وتَسـعدَ عَيْنـي بالجمالِ الَّذي بَدا
له
رَوْقةٌ تُغــري الــعُيـونَ ورَونـقُ
تـجودُ بـه تِلـكَ الـضِّفافُ ولَوْحةٌ
لِخُضْرةِ وادي الـنِّيـلِ بالسِّحْرِ
تَنْطِقُ
وألـمحَ فـي تِلـكَ الـرِّحابِ حَبِيبةً
لـها فـي حَنـايـا الـنَّفسِ وُدٌّ
معتَّقُ
تَخـايَلُ فـي ثَوْبِ الـبَهـاءِ
كـأنَّها
عَروسٌ لــحفــلِ الـمُجْتَلَى
تـتأنَّقُ
فـأهْنـأَ مِنـها بـالـلِّقـاءِ
وأَرْتَمِي
إلى دِفْءِ أحــضانٍ بـضَمِّيَ تـرفُقُ
وَهـبْتُ لـها عُمْري وشِعْري
كِلَيْهِما
فَذاكَ بِهـــا يَزْكُو ، وهــذا
يُنَمَّقُ
إذا خَلَّدَ الـشِّعـرُ الـرَّفـيعُ
حَبيِبةً
فـمَنْ غـيرُ (أُمْدُرْمـانَ)
بالخُلْدِ أَخْلَقُ؟
مَسـارحُ أفـراحِي ، ومَلهى طُفُولَتي
ومَغــنًى مُنَى نَفْسِي بـه تـتعـلَّقُ
فـأفـنيـتُ غَضَّ الـعُمْرِ فيها
وبَعْدَهُ
شَبــابًا وَضِيئًا قـد مَضَى مـنهُ
رَيِّقُ
وأُشـرِبتُ صِدْقَ القَولِ فيها
وضَمَّني
بــها بـيتُ عِلْمٍ بـالـصَّلاحِ
مُوَثَّقُ
بـها الأهـلُ والأصْحـابُ يجمعُ بينَنا
وِدادٌ وإلْفٌ لـــيسَ فـــيه تَمَلُّقُ
وكـمْ عـاشَ فـيها من كِرامٍ تآلَفُوا
وبـالـخُلُقِ الـعالـي الـنَّبِيلِ
تَخَلَّقُوا
لَهُمْ مـن كَريـمِ الـخِيمِ بِشْرُ
حَفاوَةٍ
وشَأْوٌ بـعيـدٌ فـي النَّدى ليسَ
يُلْحَقُ
فـــلِلْعِلْمِ هَالاتٌ هُنــاكَ
وَضِيئةٌ
ولــلدِّيـنِ بـاحـاتٌ بِهِنَّ
تـحلَّقُوا
ولــلعـزِّ آيـاتٌ تُصـانُ وتُفْتَدى
ولـلبَذْلِ سـاحـاتٌ إلـيهـا تَدفَّقوا
ولـلحُسْنِ طَلْعـاتٌ لَدَيْهـا
بَدِيـعةٌ
ولــلفَنِّ قـامـاتٌ كَذلـكَ تَسْمُقُ
ولـلشِّعْرِ والإبـداعِ نُصَّتْ
مَنـابـرٌ
يَزِلُّ (جَرِيـرٌ) عِنْدَهـا
و(الـفَرَزْدَقُ)
ولِلــعيْشِ طَعْمٌ لَيْسَ يُلـفَى
مَذَاقُهُ
لــدَى غَيــرِهــا لَذٌّ لِمَنْ
يَتَذَوَّقُ
تُنـازعُنـي نَفْسِي إلـيهـا ، وطيفُها
بـليـلٍ عـلى مَنْأًى من الأرضِ
يَطْرُقُ
ولــولا جِوارٌ لــلشَّفـيعِ مُحَبَّبٌ
إلى مُهْجتي ((كادتْ من الوَجْدِ تزهقُ ))
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق